بقلم ليانغ سوو لي
إعلامية صينية
اختُتمت في نيودلهي أعمال القمة الثامنة عشرة لقادة دول بريكس. وفي الجلسة الأولى، ألقى الرئيس الصيني شي جين بينغ كلمة استعرض فيها ما حققه التعاون بين دول بريكس خلال عشرين عاماً، وطرح رؤية تقوم على أن تكون دول المجموعة في طليعة تعزيز التنمية المبتكرة، والحفاظ على السلام والاستقرار، وتعزيز التبادل بين الحضارات، وإصلاح الحوكمة العالمية وتطويرها.
ومنذ اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع المؤسسة، وصولاً إلى صيغة «بريكس الكبرى» التي تضم اليوم 11 دولة عضواً و10 دول شريكة، توسعت مكانة المجموعة بصورة لافتة. فهي تمثل نحو نصف سكان العالم، ونحو 30 في المئة من الاقتصاد العالمي، وتسهم بأكثر من نصف النمو الاقتصادي العالمي.
ويعكس هذا التوسع تنامي حضور دول الجنوب العالمي وقدرتها على تعزيز التعاون والاعتماد على الذات. لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً مهماً: كيف تنتقل «بريكس الكبرى» من توسيع العضوية إلى تعزيز قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة؟
هنا تبرز الأدوار الأربعة التي حددها الرئيس شي، والتي تركز على التنمية والأمن والحضارة والحوكمة.
التنمية المبتكرة.. أولوية مشتركة
تتسارع الثورة العلمية والتكنولوجية الجديدة، فيما يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل العديد من القطاعات الاقتصادية والصناعية. وفي المقابل، لا تزال بعض دول بريكس تواجه فجوات تكنولوجية وتحديات في بناء قدراتها الابتكارية.
وفي هذا السياق، دعا الرئيس شي إلى تعزيز التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، وتشجيع الانفتاح وتبادل الموارد والمنافع، معلناً أن الصين ستبادر إلى إنشاء منطقة مفتوحة المصدر للذكاء الاصطناعي لدول بريكس.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول النامية، إذ إن توسيع الوصول إلى التكنولوجيا والمعرفة يمكن أن يساعدها على بناء قدراتها وتسريع التنمية. أما القيود على سلاسل الصناعة والإمداد، وإقامة «ساحات صغيرة وأسوار عالية»، فلن تؤدي إلا إلى زيادة الانقسام وإعاقة التعاون الدولي.
السلام والاستقرار.. أساس التنمية
لا يزال العالم يواجه أزمات وصراعات متزايدة، فيما تتعرض منظومة العلاقات الدولية ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة لضغوط كبيرة.
ومن هنا، فإن دور دول بريكس في الحفاظ على السلام والاستقرار يحتاج إلى تعاون عملي، وليس مجرد مواقف عامة.
وفي كلمته، طرح الرئيس شي أربع نقاط بشأن الوضع في منطقة الشرق الأوسط، داعياً إلى تهدئة التوترات ووقف القتال والدفع نحو السلام، ومؤكداً أن الحل الجذري للقضية الفلسطينية يكمن في تنفيذ حل الدولتين.
ورغم اختلاف ظروف دول بريكس وتباين مواقفها بشأن عدد من القضايا، فإن قدرتها على تنسيق المواقف والتعبير عن مواقف مشتركة تجاه الأزمات الدولية تمنحها مساحة أكبر للمساهمة في دعم التعددية الدولية.
التبادل بين الحضارات
يرتبط مستقبل التعاون بين دول بريكس أيضاً بتعزيز التفاهم بين الحضارات والشعوب.
فالتبادل بين الحضارات لا يعني إلغاء الاختلافات، وإنما إتاحة المجال أمام الثقافات المختلفة للتواصل والتفاعل على أساس المساواة والاحترام.
وقد أكد الرئيس شي أهمية تعزيز التعاون في مجالات الثقافة والسياحة والتعليم، وتوسيع التبادلات بين الشباب، بما يجعل دول بريكس مساحة للتواصل بين الحضارات والثقافات المختلفة.
إصلاح الحوكمة العالمية
أما إصلاح الحوكمة العالمية، فيرتبط بالحاجة إلى جعل النظام الدولي أكثر تمثيلاً وعدالة، وتعزيز مشاركة الدول النامية في القضايا الدولية.
وعلى مدى سنوات، لم يكن صوت العديد من دول الجنوب العالمي حاضراً بالقدر الكافي في آليات صنع القرار الدولي. وفي هذا السياق، وفرت بريكس منصة مهمة لتعزيز مشاركة هذه الدول في الشؤون الدولية، الأمر الذي يجعل تطوير هذه المنصة وتعزيز فاعليتها مسؤولية مشتركة بين أعضائها وشركائها.
وتتصل هذه الأدوار الأربعة بصورة وثيقة بمبادرات التنمية العالمية والأمن العالمي والحضارة العالمية والحوكمة العالمية، التي طرحتها الصين خلال السنوات الماضية. وهي مبادرات تركز على قضايا السلام والتنمية والأمن وإصلاح منظومة الحوكمة الدولية.
وفي الجلسة الثانية، طرح الرئيس شي خمس مبادرات لتعميق التعاون بين دول بريكس، شملت تعزيز إتاحة الذكاء الاصطناعي بصورة مفتوحة وشاملة، وتيسير التجارة والاستثمار، وتطوير التعاون في الصناعات الرقمية والتصنيع الذكي، وتنمية الكفاءات العلمية والتكنولوجية.
كما أكد أن الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين لا تمثل فقط مخططاً للتنمية الداخلية، وإنما توفر أيضاً فرصاً للتعاون مع دول العالم. وتحويل ثمار التنمية الصينية إلى فرص للتعاون مع دول بريكس يعكس اتجاهاً مستمراً في سياسة الصين تجاه التعاون داخل المجموعة.
وفي العام المقبل، ستتولى الصين رئاسة بريكس وتستضيف القمة التاسعة عشرة لقادة دول المجموعة، لتكون بذلك أول رئاسة صينية لبريكس بعد توسعها.
ومن صيغة «بريكس بلس» التي أطلقت خلال قمة شيامن، إلى التوسع التاريخي للمجموعة، وصولاً إلى طرح الأدوار الأربعة في القمة الأخيرة، عكست مشاركة الصين في بريكس اهتماماً متزايداً بقضايا التنمية والتعاون بين دول الجنوب العالمي.
فالريادة لا تعني البحث عن الأضواء، وإنما تحمل المسؤولية والتقدم عندما تكون هناك حاجة إلى ذلك.
ومع دخول تعاون بريكس عقده الثالث، تبدو الحاجة إلى تعزيز هذا الدور أكثر إلحاحاً. فبريكس لم تعد مجرد تجمع للاقتصادات الناشئة والأسواق الصاعدة، بل أصبحت منصة للتعاون بين دول الجنوب العالمي، وقوة يمكنها أن تسهم في دفع النظام الدولي نحو مزيد من التوازن والإنصاف.