على مر التاريخ كان الاستثمار الحقيقي في نهضة الأمم وارتقائها هو التعليم ولهذا السبب، تتقدم الصين اليوم بخطوات واسعة في الإبداع الاقتصادي والتكنولوجيا والصناعة والتنمية، ويقف وراء هذا التقدم عمل دؤوب وناجح في الارتقاء بالمنظومة التعليمية.
وفي قلب العاصمة الصينية بكين تقع مؤسسة تعليمية لا تروي تاريخ التعليم فحسب إنما تحكي قصة الصين الحديثة بأسرها. إنها المدرسة الابتدائية التجريبية الأولى في بكين، التي تأسست عام 1912 وشهدت على تحولات القرن الماضي، لتصبح اليوم نموذجاً فريداً يمزج بين الإرث التاريخي العريق والابتكار التربوي الشامل تضم المدرسة خمسة مواقع ويدرس فيها من الصف الثالث حتى السادس أكثر من 4000 الف طالب وطالبة
صباح الأربعاء التاسع والعشرون من أكتوبر/تشرين الأول
وصلت إلى بوابة المدرسة في تمام الثامنة والنصف صباحاً، برفقة زملاء وفد من الصحفيين الدوليين في إطار برنامج التبادل الإعلامي الخاص بمركز الصين الدولي للتواصل الصحفي. لم تكن هذه مجرد زيارة لمدرسة ابتدائية إنما كانت رحلة استكشاف لفلسفة تربوية تؤمن بأن الاستثمار في العقول هو القوة الدافعة الحقيقية وراء التقدم الاقتصادي والتكنولوجي الذي تدهش به الصين العالم اليوم.
إرث القادة والمؤسسين
وصلنا بوابة المدرسة وكان في استقبالنا لافتة ترحيبية من مديرة المدرسة السيدة جو شي وي، والسيد الأمين للحزب والمدير التنفيذي لحرم مينهوبينغ وونغ شن شن، بالإضافة إلى مسؤولي الأقسام المختلفة في المدرسة المتميزة ونائب مدير المدرسة والمسؤول عن الشؤون التعليمية ومنسق الفعالية مع طلاب متميزين على بوابة المدرسة
وما يميز المدرسة ليس فقط عمرها الذي يتجاوز المائة عام إنما أيضاً قائمة خريجيها الذين كانوا شخصيات ذات ثقل ومساهمة محورية في نهضة الصين الحديثة وتقدمها في مجالات حيوية.لفتت انتباهي لوحة بأسماء خريجين ونماذج قيادية شملت قامات علمية وأدبية بارزة
ومن أبرزهم:تشيان شيويه سن: الملقب بـأبو الملاحة الفضائية الصينية” و “أبو الصواريخ الصينية لو شي جيا عالمة ميكانيكا ومؤسسة أول تخصص في الديناميكا الهوائية في الصين
وتشانغ وي عالم ميكانيكا وتربوي بارز ساهم في بناء الأجيال العلمية المتعاقبة ولوه بي لين وهو أكاديمي وعالم إلكترونيات ومعلومات ولين زي يانغ رئيس سابق لقسم الأمراض الجلدية في مستشفى بكين
ولين هاي يين وهي كاتبة صينية معاصرة مشهورة، أثرت المشهد الأدبي والثقافي الصيني وهذه القائمة ترسخ فكرة أن بذور الابتكار الوطني تزرع وتغذى في هذه الفصول الابتدائية
كما لفت انتباهي الأرشيف الكبير للمدرسة، وتاريخها المُدوّن على والذي يعرض مسيرة مديري المدرسة المتعاقبين من عام 1912 حتى الوقت الحاضر. وقد أظهر هذا السجل دور المرأة القيادي في المؤسسة، حيث تولت خمس سيدات مناصب إدارية عليا، بدءاً من يان جينغ تي في عام 1930 حتى اليوم في إدارة السيدة جو شي وي
مما يعكس مكانة المرأة في القيادة التعليمية على مر السنين في الصين تحمل البوابة القديمة للمدرسة رمزية تاريخية إضافية
إذ نقش اسم المدرسة عليها بخط يد دينغ ينغ تشاو، التي كانت أول معلمة فيها وزوجة أول رئيس وزراء لجمهورية الصين الشعبية، تشو إن لاي. وتحرص المدرسة على إحياء ذكراها سنوياً لتقديم “درس وطني حي” للأطفال، لربطهم بتاريخ بلادهم وقيمها.
التربية بالجمال والشمولية تتجاوز المدرسة المناهج التعليمية التقليدية لتتبنى فلسفة تربوية شاملة يمكن تلخيصها في شعارها الحياة تعلم الإنسان، والثقافة تربي الإنسان في ساحة “قلب إلى قلب التي تعج بالأطفال وملامح البشاشة والجمال لا تجد مقاعد دراسية بل بيانو ورفوف كتب ضخمة. هنا، يبدأ الأطفال يومهم على نغمات الموسيقى الجميلة وتتاح لهم القراءة الحرة من كتب اختارها المعلمون بعناية
ما وراء الكتب
وفي المدرسة توجد قاعة الموسيقى كانت المدرسة أول من بناها في بكين عام 2008 لا تستضيف فقط فرقاً إنما مركز للتدريس اليومي وخدمات ما بعد المدرسة، وتختتم العام بمهرجان “هولوبو” الفني الذي يشارك فيه الجميع من طلاب ومعلمين وأولياء أمور الووشو وتنس الطاولة: طورت المدرسة دروساً متخصصة في الووشو الدفاع عن النفس وتنس الطاولة وغيرها من الألعاب الرياضية في ساحة المدرسة لا تهدف فقط للياقة البدنية بل لـصقل الإرادة وبناء الشخصية السليمة عبر دمج أخلاقيات الفنون القتالية والقصص الثقافية مع اللياقة البدنية
المدرسة مختبر للحياة
تحول المدرسة بيئتها إلى مختبرات حية لغرس المسؤولية والوعي العلمي لدى الطلاب البستان الأخضر في محيطها ليس مجرد حديقة حول المدرسة
هو موقع للتعلم متعدد التخصصات. هنا يمارس الطلاب الزراعة ويتعلمون حماية الحياة وتستخدم المحاصيل في وجباتهم أو تُقدم إلى دار المسنين في المنطقة، لغرس الشعور بالمسؤولية الاجتماعية.•محطة الأرصاد الجوية لرواد الفضاء الشباب
تأسست عام 1912 وهي ترحب بالطلاب المهتمين بالأرصاد الجوية للمراقبة والبحث وتدريبهم على الاستقصاء العلمي واستخدام أدوات متخصصة
حتى قاعات الطعام أو المقصف تعكس الاهتمام الحكومي والمدرسي بالنمو الصحي للطلاب.
أوضح لنا المشرف التربوي أن بلدية بكين تولي أهمية كبيرة لوجبات الغداء المدرسية، وتعتبرها من أولويات التعليم تقدم وجبة الغداء يومياً للطلاب. وهناك سياسات صارمة لضمان سلامة الغذاء حيث يتم تتبع مصدر كل عنصر غذائي وترسل الحكومة مفتشين بانتظام. لا تقدم وجبات متوازنة وغنية بالنكهات فحسب ويحرصون على توفير وجبات حلال أيضاً بما يؤكد على الشمولية والاهتمام باحتياجات جميع الطلاب
وفي لمسة ثقافية سبقت توجهنا لصالة الطعام، أهدتنا مسؤولة الأنشطة تميمة المدرسة الرسمية “قرد التقدم هو المتحدث الرسمي باسم المدرسة وقد اختاره الأطفال أنفسهم ليكون تجسيداً لمدرستهم المحبوبة
في نهاية الزيارة انتقلنا إلى قاعة مرتبة كأنها قاعة مجلس حكومي فاخر مزودة بكراسي أنيقة وشاشة وإضاءة احترافية لمشاهدة الفيلم الترويجي الذي يروي قصة نجاح ملهمة بعنوان “مطاردة الحلم”. الفيلم القصير الذي تبلغ مدته خمس عشرة دقيقة يلخص الفلسفة التعليمية للمدرسة أن الصين الجديدة التي تدهش العالم اليوم لم تنشأ من فراغ. إنها ثمرة عقود من الاهتمام بالتعليم الأساسي، بمناهجه، ومعلميه، وبيئته، وعملياته. هذه المدرسة، بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة، هي خير دليل على أن الاستثمار في العقول هو المفتاح الحقيقي للنجاح الكبير على كل المستويات.




