في قلب مدينة شنغهاي الصاخبة، تلك المدينة الجميلة والحديثة التي تحتضن العالم ورجال الاقتصاد، يقع مبنى متواضع بطراز “شيكومين” التقليدي، حاملاً في طياته قصة تحول أمة بأكملها. هذا المبنى ليس مجرد معلم سياحي، بل هو المقر الأول والمتحف التذكاري للمؤتمر الوطني الأول للحزب الشيوعي الصيني؛ المكان الذي يتوافد إليه الصينيون وضيوفهم الأجانب على حد سواء، ليقفوا على اللحظة التأسيسية التي شهدت انطلاق العمل السياسي للحزب الذي قاد الصين لتصبح اليوم إحدى أهم القوى العالمية.”
زيارتنا إلى هذا الموقع صباح الثلاثاء، 4 نوفمبر، والتي جاءت ضمن برنامجنا المكثف للتبادل الإعلامي، لم تكن مجرد جولة ثقافية، بل كانت درساً عملياً في كيفية بناء الدول من نقطة الصفر. ففي هذا المبنى، الذي يعود تاريخ بنائه إلى خريف عام 1920، عُقد المؤتمر الوطني الأول في يوليو 1921، حيث تم اعتماد أول برنامج وقرار للحزب الشيوعي الصيني وإعلان تأسيسه رسمياً.
وخلال جولتنا، لفت انتباهنا بشكل خاص تمثيل جلسات الاجتماع الأول للقيادة الصينية التي أسست الحزب، بالإضافة إلى التوثيق المصور لمسيرة القيادات التي نقلت الطموح السياسي إلى واقع ملموس، وهي المسيرة التي يقودها اليوم الرئيس شي جين بينغ.
خطة خمسية جديدة لمستقبل طموح
تأتي هذه الزيارة في وقت مهم، حيث عقدت الدورة الرابعة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر 2025، واعتمدت خلالها خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الخمسية الخامسة عشرة (2026 – 2030). لقد حققت الصين إنجازات كبيرة خلال الخطة الرابعة عشرة، مع نمو اقتصادي مستقر وتقدم في التكنولوجيا والانفتاح الدولي.
وتسعى الصين من خلال الخطة الجديدة، التي تُعد من أكثر الخطط طموحاً في تاريخ البلاد الحديث، إلى تعزيز الاعتماد على الذات، والتفوق التكنولوجي، والتحصين الاقتصادي، مع مواصلة التنمية عالية الجودة، ودعم الابتكار، والحفاظ على التنمية الخضراء، وتعزيز التعاون الدولي والسلام العالمي.
ولا يقتصر المتحف التذكاري على قاعة الاجتماع التاريخية فحسب، بل يضم مبنى معارض جديداً يركز على عرض مفهوم “مدينة للشعب”، وهو المفهوم الذي يوجه التنمية الحضرية في شنغهاي. هذا المبدأ، الذي يتجسد في شعار “المدينة يبنيها الشعب، والمدينة هي للشعب”، يقدم نموذجاً للحكم يركز على رفاهية المواطن كأولوية قصوى.
وقد برز في هذا الجزء من المتحف التركيز على تحول ضفاف نهر يانغبو من “حزام الصدأ الصناعي” إلى “حزام العرض الحياتي”. هذا التحول، الذي يعرض بتقنيات رقمية وتفاعلية متقدمة، يمثل قصة نجاح ملهمة في التخطيط الحضري الذي يضع الإنسان في المركز، ويحول التحديات البيئية والصناعية إلى مساحات خضراء وخدمية تخدم المواطنين.
في ختام هذه الزيارة لا يمكن للمرء إلا أن يتأمل في المسار الذي قطعته الصين إن قصة الحزب الشيوعي الصيني، التي بدأت في هذا المبنى المتواضع، تقدم تجربة فريدة في بناء الدولة وتحقيق التنمية. وبغض النظر عن الاختلافات الأيديولوجية والسياسية حول العالم، فإن الإنجازات التي حققتها الصين على مدى العقود الماضية في إخراج مئات الملايين من الفقر وتحقيق قفزات نوعية في التكنولوجيا والاقتصاد، تظل تجربة تنموية تستحق الدراسة والتحليل. إنها قصة نجاح تفرض نفسها على الساحة الدولية، وتقدم دروساً حول أهمية الرؤية طويلة الأمد والتخطيط الاستراتيجي في قيادة الأمم نحو مستقبل أكثر ازدهاراً.
بقلم /علي العقبي صحفي وناشط سياسي




