جهاد مذكور/ ناشطة إعلامية
في ربيع بعيد من عام 2011، كنت طفلة في التاسعة من عمري، أعيش في بيتنا الطيني الصغير بأطراف مدينة مأرب. أتابع العالم بعيني الفضوليتين، لا أعرف من الحياة سوى المدرسة وأحلام الرسوم المتحركة، حتى تغير العالم من حولي. لم أكن أفهم السياسة، ولا أعرف معنى “الثورة”، لكنني كنت أشعر أن شيئًا كبيرًا يحدث.
في مساء من أمسيات عام 2011، جلست بجانب أبي أمام التلفاز، وكان المذيع يتحدث بصوت متوتر، وخلفه صور لأناس يصرخون في الشوارع، يرفعون لافتات: حرية… كرامة… عدالة. لم أفهم تمامًا، لكنني شعرت أن في صوته شيئًا يشبه الخوف، وشيئًا يشبه الفخر. كان صوت المذيع متوترًا، وصور الشوارع مليئة بالهتافات: “حرية… حرية!”
سألت أبي ببراءة: “لماذا يصرخ الناس يا أبي؟” أجابني وهو يحدق في الشاشة: “لأنهم يريدون أن يعيشوا بكرامة يا ابنتي.” كانت تلك اللحظة أول مرة أسمع فيها كلمة كرامة… ولم أدرِ أن تلك الكلمة سترافقني طوال حياتي.
لم تكن الشاشة نافذة على العالم فحسب، بل كانت بوابة تفتح على سماء أخرى، على قلوب أخرى، على صرخات لم أسمع مثلها من قبل، وفي تلك الأيام، كانت سوريا تشتعل…
وكان قلبي يشتعل معها.
كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا، أصوات الأطفال تملأ الحي، ضحكاتهم تتناثر كأغاني المساء، ينادونني لأخرج وألعب معهم، لكنني لم أتحرك من مكاني. كنت أجلس في زاوية الغرفة، أمامي التلفاز، وصوت الأخبار يملأ المكان ببرودة غريبة لا تشبه صوت الطفولة.
لم أفهم كل ما يجري، لكنني أدركت شيئًا واحدًا لا ينسى: أن الأطفال في سوريا لم يكونوا مختلفين عني، لكن الحرب سرقت منهم ضحكاتهم، بينما كنت ما زلت أملك رفاهية البكاء من بعيد.
لم أزر سوريا قط، لكن قلبي زارها مئات المرات في تلك الصور المتحركة التي تبثها المحطات الإخبارية كل ليلة.
“وفي تلك الليلة وضعت يدي على قلبي… كأنني أحمي ما تبقى مني ومنهم.”
كانت الشاشة تظهر دخانًا يتصاعد من بين البيوت، ووجوهًا يكسوها الغبار، وأطفالًا يشبهونني لكنهم لا يضحكون. كنت أقترب من التلفاز حتى كادت أنفي تلامس الزجاج، أحاول أن أسمع أكثر، أن أفهم ما يجري، رغم أن عمر التسع سنوات لا يعرف معنى كلمة “مجزرة” لكن قلبي كان يعرف أنها كلمة ثقيلة.
“شعرت أنني كبرت يومها أكثر مما يجب.”
كل ما كنت أعرفه هو أن الأطفال هناك لا ينامون، وأن الأمهات يحملن وجوهاً من دخان، وصوت الأخبار يملأ المكان ببرودة غريبة لا تشبه صوت الطفولة.
كانت الكاميرا تظهر شوارع سوريا تشتعل، وأطفالاً في مثل عمري يركضون وسط الدخان، بعضهم يصرخ، وبعضهم لا يتحرك أبداً، وكان المذيع يتحدث عن قصف جديد نفذته الطائرات الروسية.
رأيت رجالاً يحملون الجرحى، ونساء يبحثن بين الركام عن بقايا أحبابهن، وسمعت صرخات اخترقت قلبي الصغير. في تلك اللحظة شعرت أن الهواء ثقيل، كان الدخان قد خرج من الشاشة وسكن صدري.
كانت الصور تتكرر كل يوم: رجال يركضون بين الدخان، نساء يصرخن، أطفال يبكون، وسماء بلون الرماد. كنت أتابع كل ذلك من شاشة صغيرة في بيتنا في ريف اليمن، وكأنني أشاهد فيلماً لا ينتهي.
لكن هذه المرة لم يكن فيلماً. كنت أرى الحقيقة… الحقيقة التي تفيض دموعاً ودماً في شوارع سوريا.
بدأت حكايتي مع درعا، الشرارة الأولى. كنت أراها على الشاشة مدينة خضراء، تلمع أشجارها بعد المطر، ثم فجأة تغير كل شيء. قال المذيع يومها: “حصار كامل على درعا… انقطاع ماء وكهرباء…” “إطلاق نار على المتظاهرين..”
في تلك الليلة، كنت أفكر بطفل يشبهني، يقف عند نافذته في درعا، ينظر إلى العالم ولا يستطيع الخروج. طفل اسمه ربما حمزة… أو علاء… أو أي اسم يردده الخوف.
رأيت على الشاشة رجالًا يركضون، ونساء يحملن أكياس الدواء، وأطفالًا يختبئون خلف أبواب مكسورة. ومن بين كل شيء… ظل وجه “حمزة” يزورني في أحلامي، كأنه يقول لي: “احكِ عنا… لا تنسينا.”
حمص… المرأة التي تبكي من قلب النار
مرت الأيام، وانتقلت الأخبار من درعا إلى حمص. قال المذيع ذات يوم: “مجزرة الساعة… إطلاق نار على المعتصمين في ساحة كبيرة” لكنها لم تكن حمص على شكل فتاة صغيرة… بل على شكل امرأة عظيمة، تمسك مدينة كاملة بيديها كأنها رضيعها.
كان في عينيها دخان… وفي صوتها ارتجاف… حمص كانت تعرف كيف تصنع حياة من الرماد. كانت ساحرة… أمًّا… وشهيدة في الوقت نفسه.
وفي وسط كل هذا… لم أنس صوت شاب من حمص كان يبث مقطعًا عبر هاتفه ويقول: “اصمدوا… نحن بخير” لم يكن بخير. لكن صوته جعلني أصدق أن البشر قد يصبحون جبالًا عندما تحاصرهم العواصف.
حين تكسر الأبواق صمت القلوب
جاءت “الحولة” اسم صغير لمكان كبير جدًّا في معناه.
في 25 مايو 2012، شهدت بلدة تلدو، ضمن منطقة محافظة حمص، واحدة من أبشع المجازر في تاريخ البشرية، عندما بث التلفاز صور الشهداء مغطاة بأغطية بيضاء، ووجوه أطفال صغار ممددة بلا حراك، شعرت أن العالم أصبح صغيراً جداً.
في تلك الليلة، بكيت كسائر الأطفال قبل النوم، لكن بكائي كان غريباً. لم أكن خائفاً من أي شيء، بل من حقيقة أن هناك قلوباً تحترق بعيداً جداً، وأنني عاجز عن فعل شيء.
ريف دمشق… الغوطة التي تنفست الظلام
ثم جاءت المرحلة الثالثة… اسم جديد صار يتكرر كثيراً: ريف دمشق، والغوطة تحديداً. كنت أسمع عنها وكأنها بستان واسع من العنب والرمان. لكن الصور على الشاشة كانت تقول عكس ذلك تماماً.
“الهواء… تغير.” لم أفهم. لكنني رأيت رجالاً يسقطون دون دم، ونساء يمسكن صدورهن، وأطفالاً لا يتحركون.
كانت الغوطة مثل غابة جميلة أُطفئت فجأة، فصارت أشجارها تتلوى كأنها تبحث عن نسمة واحدة.
“الغوطة… مدينة يختنق النهار فيها قبل الليل.”
حلب… المدينة التي صمدت كقلاع التاريخ
ثم جاء اسم حلب. واسمها وحده كان يكفي ليجعل نبض قلبي أسرع. حلب التي كانت مدينة الألوان، الأسواق، صوت الباعة، الجامع الأموي…
أصبحت فجأة مدينة من النار.
أن تتصور كيف يمكن أن يتحول البرميل إلى نار. رأيت حلب تحترق… لكنها لم تنكسر. كان أهلها يرفعون أصواتهم: “الله أكبر” ليس للحرب… بل للحياة، للثبات، للكرامة.
وكان وجهها نصفه نار… ونصفه ضوء. قالت بصوت يشبه هدير التاريخ: “نحن مدينة لا تموت… حتى لو سقطت السماء فوقنا.”
كانت حلب أشبه بطائر أسطوري يولد من رماده، يرفع رأسه نحو السماء ويصرخ: “لن ننحني!”
دير الزور… النهر الذي صار يشهد على الخراب
دير الزور، المدينة التي يعانقها نهر الفرات. كنت أرى النهر وأفكر أنه قادر أن يطفئ نار العالم… لكن حتى النهر بدا متعباً.
القصف، الجوع، العزلة… والناس يحاولون النجاة كما لو أنهم يسيرون فوق خيط رفيع فوق الهاوية.
إدلب… آخر ما بقي من الضوء
رأيت إدلب على الشاشة آخر المدن التي بقي فيها صوت للحياة. كانت مزدحمة بالبيوت وبالقلوب. ممتلئة بالنازحين من كل المدن: من درعا، وحمص، وحلب، والغوطة، ودير الزور… كانت أماً مؤقتة للجميع.
كنت أشعر أن إدلب هي “سوريا الصغيرة”، سوريا التي حملت أبناء كل المدن، سوريا التي رفضت أن تموت.
ظهرت كفتاة رقيقة، تضع على شعرها مناديل بألوان مختلفة، كل منديل يمثل مدينة لجأت إليها. قالت لي: “أنا آخر الضوء… وسأحمله حتى تعود المدن لأهلها.”
وكأن الريح مرت عبر الغرفة، فارتجفت الستائر، وشعرت أن إدلب ليست مجرد مدينة… بل قلب سوريا كله.
في تلك الليلة، غفوت وحين أغمضت عيني، رأيتني أطير. كانت الغوطة تمتد تحت جناحي كبحر من الرماد. رأيت أطفالًا يلعبون بين الركام، يرسمون على الحجارة وجوهًا مبتسمة.
سمعت ضحكة تخرج من بين الدخان، فظننتها ملاكًا تاه عن السماء. مررت فوق درعا، فبدت لي كأم ترقع ثوبها بالدموع، وفوق حمص التي كانت تنام على أنقاضها، وحلب التي تغسل جراحها بماء المطر.
كنت أريد أن ألمسهم، أن أزرع في شوارعهم شجرة ياسمين، لكن يدي كانت من هواء، وقلبي من لهب لا يطفأ.
كبرت أنا، وكبرت على صور الحرب، صرت أرى الثورة لا كحدث في نشرات الأخبار، بل كقصيدة من دم ونور، تتلى على مسامع العالم الصامت.
كنت أؤمن أن لكل صرخة هناك صدى يصل إلينا هنا، يوقظ فينا شيئًا من إنسانيتنا النائمة.
كبرت… لكن شيئًا واحدًا لم يكبر: القلب الذي ما زال يضيء عندما يسمع كلمة “سوريا”.
مرت السنوات، وتغير شكلي، لكن عيني ظلتا تحملان ذاك اللمعان القديم، كأنهما نافذتان تطلان على شارع في “دوما”، أو على سطح بيت في “عربين”.
حين كبرت أكثر، أصبحت أفهم معنى السياسة والحرب، لكن شيئًا بداخلي ظل يرى كل شيء من زاوية الطفلة الصغيرة.
أصبحت أحس بأن الأخبار ليست صورًا والصور ليست صورًا والبلاد ليست خرائط بل هي وجوه وأصوات وذكريات وأطفال تركوا ألعابهم على الأرض.
حين بدأت أفهم رسالتي كبرت، وبدأت أدرك أن ما رأيته لم يكن مجرد أخبار. كان دعوة صامتة… رسالة… أو ربما قدرًا صغيرًا خبأه الله لطفلة كي تعرف معنى الرحمة مبكرًا.
اليوم… وأنا أنظر خلفي أدرك أنني لو لم أشاهد تلك الصور في طفولتي، لما أصبحت أنا. لما عرفت أن الكلمات يمكن أن تنقذ نفسًا والقصص يمكن أن تمنح روحًا صغيرة شعورًا بأنها لم تُنسَ والطفلة اليمنية التي تبكي على أطفال سوريا… يمكن أن تصبح فتاة تحمل حكاياتهم كأمانة. ماذا بقي في قلب الطفلة؟
كبرت… لكن تلك الطفلة اليمنية ما زالت تعيش في داخلي. لكن التلفاز علمني أن الألم لا يتقيد بالجغرافيا.
تعلمت أن الثورة تجلب الأمل، لكن الأمل لا يمنع القصف؛ وأن المجازر ليست مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل أرواح كانت تنام وتصحو على لسان الخطر.
تلك التي كانت تجلس أمام التلفاز وترى: طفلًا من درعا يجري وهو ينادي أبيه. أمًّا من حمص تحمل طفلها وتصرخ: “ساعدونا”. شابًّا من الغوطة يغطي أنفه ويمشي وهو يلهث. امرأة من حلب تقف فوق الركام وتقول: “لن نترك مدينتنا”. عائلة من إدلب تفترش الأرض تقول: “سنعود يومًا”.
كنت أشعر أن سوريا ليست بلدًا.. بل قلبًا كبيرًا يتلقى الطعنات ويظل ينبض.
من المشاهدة إلى الفعل
كنت أريد أن أفهم كيف تُروى القصص، وكيف يمكن أن تكون الصورة أصدق من الرصاص. تعلمت أن الكلمة الحرة قد تحدث ثورة، وأن الصحافة ليست مهنة فقط، بل مسؤولية.
كل مرة أكتب فيها عن العدالة وحقوق الإنسان، أتذكر تلك الطفلة الصغيرة التي جلست في الرابعة عصرًا أمام التلفاز، وشهدت ظلمًا لا يُنسى.
لقد أصبحت ما حلمت به: إعلامية من أجل الحق والكرامة، أستخدم قلمي لأقول ما لم يُقل، أؤمن أن الصورة يمكن أن تهز عرش الكذب، وأن الكلمة الصادقة قادرة على إحياء الأمل من تحت الرماد.
لقد علمتني الثورة السورية أن الحرية لا تُمنح، بل تؤخذ بالوعي، وبالإصرار، وبالإيمان بالكرامة الإنسانية.
وسأبقى ما حييت أؤمن أن الكلمة الصادقة يمكن أن تفتح نافذة في جدار الصمت، وأن الإنسان، ما دام يروي قصته، لن يُهزم أبدًا.
أن أستخدم صوتي وقلمي لأكون صوت الذين لا يُسمعون، وأن أظل مؤمنة بأن الحقيقة، مهما طُمست، لا بد أن تشرق يومًا من جديد، كما تشرق الشمس على أرض أنهكها الليل الطويل.
وأمنح للضعفاء صوتًا لا يستطيع أحد أن يُسكته.
ومنذ تلك الليلة، لم تعد الطفلة اليمنية تشاهد الأحداث فقط؛ بل شعرت أنها جزء من الحكاية: أنها شاهدة صغيرة تحمل داخلها صدى المدن المحترقة، وصوت الإعلامية الشجاعة، ووهج الحقيقة الذي لا ينطفئ.




