بقلم ليانغ سوو لي
إعلامية صينية
شددت الصين أخيرا على ضرورة تسريع التخطيط والتنفيذ لشبكات المياه، وشبكات الكهرباء الحديثة، وشبكات القدرة الحاسوبية، وشبكات الاتصالات من الجيل الجديد، وشبكات البنية التحتية تحت الأرض في المدن، إضافة إلى شبكات الخدمات اللوجستية، مع الدفع نحو إطلاق المشاريع الكبرى الجاهزة للتنفيذ. وللمرة الأولى، تُدرج هذه «الشبكات الست» ضمن ترتيبات عليا على المستوى الوطني، في خطوة تعكس رؤية جديدة لمسار التنمية في الصين خلال المرحلة المقبلة، أثار اهتمامًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والتنموية.
عندما يُذكر مفهوم البنية التحتية، تتجه الأذهان عادة إلى السكك الحديدية الفائقة السرعة والطرق السريعة الممتدة والجسور العملاقة والموانئ الحديثة. وقد شكّلت هذه الإنجازات على مدى العقود الماضية الهيكل الأساسي الذي استندت إليه نهضة الصين الاقتصادية. لكن إذا كانت المرحلة السابقة قد انشغلت ببناء «هيكل» الدولة الحديثة، فإن «الشبكات الست» التي يجري التركيز عليها اليوم تستهدف بناء ما يشبه «الجهاز العصبي» و«الدورة الدموية» التي تضمن تشغيل هذا الهيكل بكفاءة واستدامة. ومن هنا، فإن الأمر لا يتعلق بمجموعة جديدة من المشاريع فحسب، بل يعكس تحولًا أعمق في فلسفة التنمية ذاتها.
منذ انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح، استطاعت الصين خلال بضعة عقود أن تقطع مسافة تنموية استغرقت قرونًا في تجارب الدول الصناعية المتقدمة. وخلال هذه المسيرة، حققت البلاد قفزات تاريخية في مجال البنية التحتية، ما أسهم في معالجة جانب كبير من التحديات المرتبطة بنقص المنشآت الأساسية. غير أن الانتقال إلى مرحلة التنمية العالية الجودة فرض أسئلة جديدة: كيف يمكن تعزيز كفاءة تدفق الموارد؟ وكيف يمكن رفع مستوى التنسيق بين مختلف القطاعات؟ وكيف يمكن ضمان أمن واستقرار تشغيل الاقتصاد والمجتمع في ظل عالم يزداد تعقيدًا وتقلباً؟
في هذا السياق، برزت فكرة «الشبكات الست». فهي ليست ستة مشاريع منفصلة، بل ستة أنظمة مترابطة تشكل معًا بنية تشغيلية متكاملة لدولة حديثة.
فشبكة المياه تستهدف معالجة الاختلالات المكانية والزمانية في توزيع الموارد المائية، بما يسمح بتحقيق توزيع أكثر توازنًا وكفاءة وضمان أمن الإمدادات المائية على المدى الطويل.
أما شبكة الكهرباء الحديثة، فتمثل استجابة مباشرة للتحول المتسارع نحو الطاقة النظيفة. ومع التوسع الكبير في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تزداد الحاجة إلى شبكات ذكية وقادرة على نقل الكهرباء المستدامة من مناطق الإنتاج الرئيسية في غرب البلاد إلى مراكز الاستهلاك والصناعة في الشرق والوسط، بما يعزز أمن الطاقة ويدعم التحول الأخضر.
وفي العصر الرقمي، تكتسب شبكتا القدرة الحاسوبية والاتصالات من الجيل الجديد أهمية خاصة. فالبيانات أصبحت موردًا استراتيجيًا جديداً، فيما يواصل الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الضخمة والتقنيات الرقمية المتقدمة رفع الطلب على القدرات الحاسوبية بوتيرة غير مسبوقة. ومن ثم، فإن بناء شبكة وطنية للقدرة الحاسوبية لا يعني فقط توفير مزيد من مراكز البيانات، بل يعني أيضًا إنشاء بنية تحتية جديدة للاقتصاد الرقمي تحدد إلى حد كبير القدرة التنافسية المستقبلية للدولة.
وفي المقابل، تمثل شبكات البنية التحتية تحت الأرض أحد الجوانب الأقل ظهورًا للعيان، لكنها من أكثرها ارتباطًا بحياة المواطنين اليومية. ففي ظل تزايد الظواهر المناخية المتطرفة، أصبحت قدرة المدن على مواجهة المخاطر والكوارث تعتمد بدرجة كبيرة على كفاءة شبكات الصرف والمياه والطاقة والغاز الموجودة تحت الأرض. ومن هنا، فإن تطوير هذه الشبكات يعد استثمارًا مباشرًا في أمن المدن ورفاهية سكانها.
أما شبكة الخدمات اللوجستية، فهي الشريان الذي يربط بين الإنتاج والاستهلاك، وبين العرض والطلب. وفي وقت تعمل فيه الصين على تسريع بناء سوق وطنية موحدة، بالتوازي مع التحولات العميقة التي تشهدها سلاسل التوريد العالمية، باتت كفاءة النقل والتوزيع عاملًا أساسيًا في خفض التكاليف وتعزيز انسيابية الدورة الاقتصادية.
وعند النظر إلى هذه الشبكات مجتمعة، يتضح أنها تغطي أبرز المقومات التي تقوم عليها الدولة الحديثة: المياه والطاقة والبيانات والمعلومات والإدارة الحضرية وحركة السلع. لذلك، فإن أهميتها لا تقتصر على توسيع حجم الاستثمار أو دعم النمو الاقتصادي، بل تكمن في دفع البنية التحتية الصينية إلى مرحلة جديدة قوامها التكامل والتنسيق والربط بين مختلف الأنظمة والقطاعات.
وفي الماضي، كان نجاح مشاريع البنية التحتية يُقاس بعدد الكيلومترات من الطرق والسكك الحديدية أو بعدد الجسور والموانئ التي تم إنشاؤها. أما في المستقبل، فسيصبح معيار التقييم أكثر ارتباطًا بكفاءة الأنظمة وقدرتها على العمل بصورة متناغمة: هل يمكن توزيع المياه بدقة؟ وهل تصل الكهرباء باستقرار؟ وهل تنتقل البيانات بسرعة وأمان؟ وهل تصل السلع إلى وجهتها بأقل تكلفة وأعلى كفاءة؟ وهل تستطيع المدن الصمود أمام المخاطر والأزمات؟ هذه الأسئلة ستكون مؤشرات أكثر دلالة على مستوى التحديث والتنمية.
وعلى المستوى العالمي، تتزامن هذه الرؤية مع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، من الثورة الرقمية إلى التحول في قطاع الطاقة وإعادة تشكيل سلاسل الصناعة والتوريد. وفي ظل هذه المتغيرات، لم تعد القوة التنافسية للدول تُقاس بحجم مشروع منفرد، بل بقدرتها على تنظيم الموارد وربطها ضمن منظومة متكاملة وفعالة. فالدولة القادرة على ضمان تدفق الموارد والمعلومات والطاقة عبر شبكات مترابطة ومرنة ستكون الأقدر على اغتنام فرص المستقبل.
ومن هذا المنظور، فإن «الشبكات الست» لا تمثل مجرد حزمة جديدة من الاستثمارات، بل تجسد رؤية استراتيجية بعيدة المدى لمستقبل التنمية في الصين. إنها تعكس انتقالًا من منطق بناء المشاريع إلى منطق بناء الأنظمة، ومن توسيع البنية التحتية إلى تعظيم كفاءتها وقدرتها على خلق القيمة. وما ستربطه هذه الشبكات ليس فقط المياه والكهرباء والبيانات والبضائع، بل أيضًا آفاقًا جديدة للتنمية العالية الجودة، ومصادر جديدة للنمو، ومزايا جديدة تعزز مكانة الصين في عالم يتجه باطراد نحو عصر الترابط الشامل.




